ابن الجوزي
31
صفة الصفوة
الإسراء ، آية 108 ] فقلت : ومن أين عرفت اسمي واسم أبي وما رأيتك قبل اليوم ولا رأيتني ؟ قال : نبّأني العليم الخبير ، عرفت روحي روحك حين كلّمت نفسي نفسك ، إن المؤمنين يعرف بعضهم بعضا ويتحابّون بروح اللّه عزّ وجل ، وإن لم يلتقوا ، إن نأت بهم الدار وتفرّقت بهم المنازل . قلت : حدّثني رحمك اللّه عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال : إني لم أدرك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، ولم يكن لي معه صحبة بأبي وأمي رسول اللّه ، ولكني قد رأيت رجلا « 1 » قد رأوه ولست أحب أن أفتح على نفسي هذا الباب ، أن أكون محدّثا أو قاضيا أو مفتيا ، في نفسي شغل عن الناس . فقلت : أي أخي اقرأ عليّ آيات من كتاب اللّه عزّ وجل أسمعها منك ، وأوصني بوصية أحفظها عنك ، فإني أحبك في اللّه . فأخذ بيدي فقال : أعوذ باللّه السميع العليم من الشيطان الرجيم قال ربي ، وأحقّ القول قول ربّي عزّ وجل ، وأصدق الحديث حديث ربّي عزّ وجل ، ثم قرأ : وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ ، ما خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ إلى قوله الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ [ سورة الدخان ، من الآية رقم 38 إلى الآية 42 ] فشهق شهقة فنظرت إليه وأنا أحسبه قد غشي عليه . ثم قال : يا هرم بن حيان مات أبوك حيّان ويوشك أن تموت أنت فإمّا إلى الجنة وإما إلى النار ، ومات أبوك آدم وماتت أمك حواء يا بن حيّان ، ومات نوح نبيّ اللّه ، ومات إبراهيم خليل اللّه ، ومات موسى نجيّ اللّه ، ومات داود خليفة الرحمن ، ومات محمد صلّى اللّه عليه وسلم وعلى جميع الأنبياء ، ومات أبو بكر خليفة رسول اللّه ، ومات أخي وصديقي عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه . فقلت له : يرحمك اللّه إن عمر لم يمت . قال : بلى قد نعاه إليّ ربّي عزّ وجل ، ونعى إليّ نفسي ، وأنا وأنت في الموتى . ثم صلّى على النبي صلّى اللّه عليه وسلم ودعا بدعوات خفاف ثم قال : هذه وصيتي إياك : كتاب اللّه ونعي المرسلين ونعي صالح المؤمنين ، فعليك بذكر الموت ولا يفارقنّ قلبك طرفة عين ما بقيت ، وأنذر قومك إذا رجعت إليهم وانصح للأمة جميعا ، وإياك أن تفارق الجماعة فتفارق دينك وأنت لا تعلم ، فتدخل النار ، وادع لي ولنفسك . ثم قال : اللهم إن هذا زعم أنه يحبّني فيك وزارني من أجلك فعرّفني وجهه في الجنة وأدخله على دارك ، دار السلام ، واحفظه ما دام حيّا ، وأرضه من الدنيا
--> ( 1 ) هكذا في النسخ .